الصالحي الشامي
320
سبل الهدى والرشاد
الباب العاشر في ذكر بعض خصائصها وهي تزيد على المائة فقد امتازت بتحريمها على لسان أشرف الأنبياء بدعوته صلى الله عليه وسلم . وكون المتعرض لصيدها وشجرها يسلب كقتيل الكفار ، وهو أبلغ في الزجر مما في مكة ، وعلى القول بعدمه هو أدل على عظيم حرمتها حيث لم يشرع له جزاء ، ويجوز نقل ترابها للتداوي ، واشتمالها على أشرف البقاع وهو محل القبر الشريف ، ودفن أفضل الخلق بها وأفضل هذه الأمة وكذا أكثر الصحابة والسلف الذين هم خير القرون ، وخلقهم من تربتها ، وبعث أشراف هذه الأمة يوم القيامة منها على ما نقله ( عياض ) في المدارك عن الإمام مالك ، قال : " وهو لا يقول من عند نفسه " . وكونها محفوفة بالشهداء كما قاله الإمام مالك أيضا ، وبها أفضل الشهداء الذين بذلوا أنفسهم في ذات الله بين يدي نبيهم صلى الله عليه وسلم فكان شهيدا عليهم ، واختيار الله تعالى إياها لأفضل خلقه وأحبهم إليه ، واختيار أهلها للنضرة والإيواء ، وافتتاحها بالقرآن وسائر البلاد بالسيف والسنان ، وافتتاح سائر بلاد الإسلام منها ، وجعلها مظهر الدين ، ووجوب الهجرة إلهيا قبل فتح مكة والسكنى بها لنصرته صلى الله عليه وسلم ومواساته بالأنفس على ما قاله القاضي عياض أنه متفق عليه ، قال : " ومن هاجر قبل الفتح فالجمهور على منعه من الإقامة ( بمكة ) بعد الفتح ، ورخص له ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه ، والحث على سكنى المدينة وعلى اتخاذ الأصل بها وعلى الموت بها ، والوعد على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أو هما ، واستحباب الدعاء بالموت بها ، وتحريضه صلى الله عليه وسلم على الموت بها وشفاعته أو شهادته لمن صبر على لأوائها وشدتها ، وطلبه لزيادة البركة بها على مكة ودعاؤه بحبها وأن يجعل الله لديها قرارا ورزقا حسنا ، وطرح الرداء عن منكبيه إذا قاربها ، وتسميته لها طيبة " وغيرها مما سبق . " وطيب ريحها ، وللعطر بها رائحة لا توجد في غيرها " قاله ياقوت . وطيب العيش بها وكثرة أسمائها ، وكتابتا في التوراة مؤمنة وتسميتها فيها بالمحبوبة والمرحومة وإضافتها إلى الله تعالى في قوله تعالى ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) ( النساء 97 ) ، وإلى النبي بلفظ البيت في قوله تعالى : ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) ( الأنفال 5 ) وإقسام الله تعالى في قوله تعالى : ( لا أقسم بهذا البلد ) ( البلد 1 ) والبداءة بها في قوله تعالى : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) ( الإسراء 80 ) ، مع أن المخرج مقدم على المدخل ، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لها خصوصا بالبركة ، ولثمارها وميكالها وأسواقها وأهلها . ولقوله إنها تنفي الذنوب وتنفي خبثها ، وأنه لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها خيرا منه ومن أرادها وأهلها بسوء أذابه الله ، الحديث ، فرتب الوعيد فيها على الإرادة ، كما قال